محمد غازي عرابي

1146

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

المطمئنة ، وعندها رزق من العلوم الإلهية التي حيرت زكريا العقل الباحث عن الحقيقة ، فقال أنى لك هذا ، فقالت هو من عند اللّه ، وحمل مريم من الروح ، ووضعها عيسى ، جاآ بالإنجيل هدى ورحمة للناس مبينا صلاح دينهم ودنياهم . فالتفجير مصطلح قصد به ما لدى الإنسان من قدرات ذاتية مخزونة لديه ولا يعلم ، فإذا آمن الإنسان باللّه وأطاعه هداه إلى تلك الينابيع الذاتية التي إن انفجرت أخرجت من حوضها الكنوز الفكرية والأخلاقية التي لا تقدر بثمن ، ولقد وصف سبحانه حال القادرين على إحداث التفجير الذاتي هذا ، فعلى الإنسان أولا أن يكسر قضبان الأنا ، ويخرج من هذا السجن الذي هو محبس الإنسان ، ولا سبيل إلى تحقيق ذلك إلا باتقاء شح النفس ، وكبح جماح الأهواء والشهوات ، ومديد المساعدة إلى الفقراء والمساكين ، وإخراج زكاة العلوم الإلهية اللدنية وتوزيعها على المحتاجين إلى تلك العلوم من الطلاب السالكين الواقفين بباب اللّه يرجون رحمته . [ سورة الإنسان ( 76 ) : الآيات 12 إلى 31 ] وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ( 12 ) مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً ( 13 ) وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً ( 14 ) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا ( 15 ) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً ( 16 ) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً ( 17 ) عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً ( 18 ) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً ( 19 ) وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً ( 20 ) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً ( 21 ) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ( 22 ) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً ( 23 ) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً ( 24 ) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ( 25 ) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً ( 26 ) إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ( 27 ) نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً ( 28 ) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ( 29 ) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً ( 30 ) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 31 ) [ الإنسان : 12 ، 31 ] لا جزاء أعظم من لقاء اللّه ، وكيف لا يكون كذلك والإنسان يرى نفسه أمام نور الأنوار ، وسر الأسرار ، وصاحب العظمة والبهاء ، الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ، جبار السماوات والأرض ، اللطيف البديع الذي أبدع كل شيء من ألطاف قدرته ، الخبير الذي خلق كل شيء بقدر ، السميع الذي يسمع نجوى الثلاثة والأربعة ، العليم الذي أعطى كل شيء من علمه ثم هدى . لقد سكرت الصوفية المكاشفون الذين رأوا اللّه جهارا وأنوارا ، كما سكر العشاق العذريون أمثال قيس بن الملوح عندما انقلبت ليلاه الصورة والشبح ليلى الذات والمعنى ، فإذا هو ليلى ،